الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
500
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على الإسلام ، وفي الحديث : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها » . ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء القتال كله ، فالظاهر أنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب ، إذ يمكن أن يدوم نزول السورة سنين كما قدمناه في صدر تفسير سورة الفاتحة لا سيما وقد قيل بأنّ آخر آية نزلت هي في سورة النساء [ 176 ] يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا الآية ، فنسخت حكم القتال على قبول الكافرين الإسلام ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام وهو المعبّر عنه بالذمة ، ووضحه عمل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك حين خلصت بلاد العرب من الشرك بعد فتح مكة وبعد دخول الناس في الدين أفواجا حين جاءت وفود العرب بعد الفتح ، فلما تم مراد اللّه من إنقاذ العرب من الشرك والرجوع بهم إلى ملّة إبراهيم ، ومن تخليص الكعبة من أرجاس المشركين ، ومن تهيئة طائفة عظيمة لحمل هذا الدين وحماية بيضته ، وتبيّن هدى الإسلام وزال ما كان يحول دون اتّباعه من المكابرة ، وحقّق اللّه سلامه بلاد العرب من الشرك كما وقع في خطبة حجة الوداع « إنّ الشيطان قد يئس من أن يعبد في بلدكم هذا » لمّا تم ذلك كله أبطل اللّه القتال على الدين وأبقى القتال على توسيع سلطانه ، ولذلك قال ( سورة التوبة 29 ) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ، وعلى هذا تكون الآية ناسخة لما تقدّم من آيات القتال مثل قوله قبلها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 73 ] على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة : أحدها : آيات أمرت بقتال الدفاع كقوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ، وقوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [ البقرة : 194 ] ، وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام بل هو لدفع غائلة المشركين . النوع الثاني : آيات أمرت بقتال المشركين والكفّار ولم تغيّ بغاية ، فيجوز أن يكون إطلاقها مقيّدا بغاية آية حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ [ التوبة : 29 ] وحينئذ فلا تعارضه آيتنا هذه لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . النوع الثالث : ما غيّي بغاية كقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ البقرة : 193 ] ، فيتعين أن يكون منسوخا بهاته الآية وآية حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ